سيد محمد طنطاوي

255

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والإذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة . وخائبين من الخيبة وهي انقطاع الأمل في الحصول على الشيء . يقال : خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب . والمعنى : ولقد نصركم اللَّه - تعالى - ببدر وأنتم في قلة من العدد والعدة * ( لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * أي ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل . وينقص من أرضهم بالفتح ، ومن سلطانهم بالقهر ، ومن أموالهم بالغنيمة * ( أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) * أي يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة ، حتى يخبو صوت الكفر ، ويعلو صوت الإيمان : وقوله * ( فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ) * أي فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعي الآمال ، غير ظافرين بمبتغاهم . قال الآلوسي : « ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال * ( لِيَقْطَعَ طَرَفاً ) * لأن أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته . وقيل : لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ . وقيل للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا ، ومنه قولهم : هو من أطراف العرب أي من أشرافهم ، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم في السير . . فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر . وقد وقع ذلك في بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين » « 1 » . و * ( أَوْ ) * في قوله * ( أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) * للتنويع . لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين ، فهي مانعة خلو ، أي لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت . وعبر عن عودتهم خائبين بقوله * ( فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ) * للإشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت ، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإسلام فخاب قصدهم ، وطاش سهمهم ، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم ، وتركوا خلفهم في الأسر العشرات من رجالهم . أما الإسلام فقد ازداد نوره تألقا ، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم . ورزقهم اللَّه - تعالى - نصره المبين . وقوله * ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) * أي : ليس لك من أمر الناس شيء ، وإنما أمرهم إلى اللَّه وحده ، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 49 .